الانتحار .. فراغ ارستقراطي

أغسطس 3rd, 2009 كتبها منال حمدي نشر في , أدب

 

الانتحار.. فراغ أرستقراطي

منال حمدي - دائماً نجزم بأننا تلزمنا الشهرة والأضواء والمقاعد المخملية والمايكات واسعة المدى، وتاريخ لا ظلّ له خارج حدودنا، كأننا العالم وكل الكائنات ذرات فيه! وربما نصل إلى ما نحلم أن نصل إليه، لكننا وبعد مضي الوقت المرهون بالعمر، نكتشف أنّنا لم نكن بحجم الحُلم، وأنّه كلّما كبُر، حوّلنا إلى جُرم صغير، وأننا كنّا نحجّم أنفسنا في بوتقة لا تفلت عن حدود الذات.
تجاربُ الآخرين تفرض علينا أن نقرأها ونتأملها، وقد نظن أننا معرّضون لذات الخطر؛ لأننا أيضاً ذهبت بنا أحلامنا حيث الآخرون ذهبوا، الرجوع يعني مربعاً فيه حلم مفجوع.
الكاتب والطبيب المنتحِر دايل كارنيجي، يقارب مخاوفنا، ويظلل لنا طريقه، وقد سلكها وسلكناها تباعاً، لنقطع الشوط إلى كارنيجي. كتُب هذا المؤلف رائجة ومباعة بأعداد هائلة، فهي قادرة على تجاوز العقبات النفسية لتتحوصل داخل الروح، مشكّلةً الشرارة الأولى لتفجير الحياة بعيداً عن موت محقق. موت يلحّ علينا ليتحول إلى خطوة مرجوّة نحو الخلاص.
كتابه حمل عنوان دع القلق وابدأ الحياة ، الحياة تعني له سلوكاً واستدراكاً ووعياً واستنطاقاً وتأملاً لكل جمال مكنون يعبُّ بالآفاق الرحبة التي تُخرجنا أحياءً.
طبيب استطاع أن يؤثر في الحياة الإنسانية لتغدو أكثر فهماً وتقبلاً، بعيداً عن القلق والهموم التي تعرقل المسيرة. مرتفعاً بالقيمة البشرية إلى الذروة. لكنه هو ذاته الطبيب المنتحِر!.
كارنيجي، الذي علّمنا من خلال كتبه كيف نكسب أنفسنا والآخرين، كيف نتأمل نقطة مركزية تتمحور داخلنا تكون هي بداية ألق لحياة مشعّة لمنطوق يبدأ بالوضوح مع كل خطوة اقتراب منه، ذاته الذي يقع في فخ الانتحار مرتين: مرة ونحن ننظر إليه كطبيب تُعَلّمه مهنته كيف يجعل من صحته النفسية والجسدية مثالاً يحتذي به الآخرون؛ ومرة كمتقن لفن الكلمة والتعبير وتأرجحها في مناخات الحياة. وكثيراً ما تَعَلّمنا أنه الطبيب الذي له مسحة بإمكانها أن تنشلنا من متاعبنا الصحية والنفسية، وبالتالي فإنه ليس بحاجة لمن يُضَمّخه بحبه، أو إلى أذنين تحسنان الاستماع إليه جيداً. ربما نحن أشد فتكاً به، من فتك معضلاتنا اليومية علينا، لأننا بشر وأقصيناه إلى ملائكية، تنسينا بشريته!.
الذهن الذي ينكفئ على معطيات ما خاصة بنا، التأمل والشرود وتحويل الأفكار إلى حركات بصرية لها وهج ما، الشرارات التي تبدأ بالانفلات من بؤرة محورية ومتمركزة يتحول فيها الإدراك والوعي إلى حالة لجيّة عميقة تثير التساؤلات والنوازع البشرية. ربما نسي كارنيجي أنها أسباب كافية لفكرة التخلّص من الحياة.
كُتبه عيادة نفسية محمولة باليد، مقروءة بالعين والقلب واللسان. ظننا أننا قرأنا هذا الطبيب من خلال ما كَتب. كنت أحاول رسم تصور خاص عن حياته، بهدوئها وسكينتها، ولم أظن للحظة أنه يتقن فن الهرب من الحياة بهذه الطريقة التهويمية! طريقة التفاني بالعطاء، ليلوذ بالفرار من نفسه. نظن أنَّ من يكتب عن الإنسانية، يفعل ذلك لأنه

المزيد


قميص جسده

تموز 5th, 2009 كتبها منال حمدي نشر في , أدب

 

قميص جسده

منال حمدي - أطفأتْ الأنوار، جلستْ إلى طاولتها المستديرة مبتسمة، وهي تمارس شعائر خاصة بها تبعدها عن أنظار البقية من أفراد عائلتها. أخرجتْ شمعة من جيبها بلطف، أشعلتها بعود كبريت، وبنفخة هادئة أطفأت عود الكبريت. صمتت لبرهة، كادت تبكي وهي ترتّب الكلام كأنه تراتيل قبل أن تبدأه. اتكأت بكوعيها على طرف الطاولة، وضمّت كفَّيْها بعضهما إلى بعض، أحنت جبهتها عليهما مغمضة عينيها:.
 لأني أحبك، أشعل لك هذه الشمعة، وأرجو لك كل الأمنيات: الأمنيات التي حققتَها، فسعادتي بها لأنها تحققت، والتي لم تُحققها، فسعادتي لأني أتمناها لك. أشعر أنَّ هناك شيئاً ما يجمعنا، ويجبلنا على هذه الدائرة المستديرة. طيفك يلفّ المكان. أنت في كل مكان. أنا أراك، تجلس قِبالتي وتضيء معي الشمعة، لأننا نفكر بطريقة واحدة؛ طريقة المجهول الذي يستهويه أن لا يكشف قناع الآخر الذي نحسّه ونعيه. ونقول بطريقة واحدة؛ طريقة الاختباء.
تقول لي كم أنت قريب مني وإليّ. ربما الشيء الوحيد الذي لن أتمناه لك: هو أن أكون قريبة منك إليك، فربما هناك مَن تكون هي كل أمنياتك لها .
@@@
 استيقظي من النوم، هيا! ، وكشفت عن أختها الصغرى الغطاء، فشدّته الأخرى إليها تدسُّ تحته رأسها. قالت لها وهي بالكاد تستطيع فتح عينيها:.
 ماذا دهاكِ، ما يزال النهار في أوله، دعيني أريد أن أنام، ثم منذ متى وأنت تستيقظين باكراً؟ .
اقتربت من سريرها وكشفت لمرة أخرى الغطاء عن رأسها: اليوم سأراه .
- آآ، لن أنام إذاً، بماذا تريدين أخذ رأيي اليوم؟
أخرجت الثوب من الخزانة: بهذا الثوب، ما رأيك به؟ .
انتفضت من سريرها: إنه بديع، شهيّ، رائع، جذاب وله رونق! . وأمسكته بيديها تتفحصه. ثم تابعت: ألوانه ساحرة. كم سعره؟ .
- لا يهم!
- أريد أن أعرف كم سعره؟
- مبلغ كبير
- بما أنك سرقت النوم من عيني، ما رأيك بفنجان قهوة؟
@@@
فنجان يليه الآخر، وبعد صمت وَجِلٍ سيطرَ عليهما، بادرت أختُها الصغرى: حتى متى؟ .
ردّت بحزن وبانكسار: لا أعرف! .
- لو تخبرينه!
- لا أستطيع.
- لماذا؟ ربما ينتظرك لتبدئي الحديث؟
- أو أنني لستُ على البال.
- ستتعبين!
- أعرف.
- أنتِ لستِ كتومة. سرعان ما سيكتشف. ألم تقولي إنك تخافينه في بعض الأحيان لأنه قارئ جيد للعيون؟
- هو كذلك، لكن لا، لن أخبره. ولا أريده أن يعرف.
- ……..
- أنا قوية بمفرداتي ومعطياتي، إن عرِف ستخذلني عيناي، يداي، جسدي، كلّها أشياء ستنطق بصوت مسموع، لن أعود قادرة على النظر إليه. اعترافي له سيمكّن الآخر مني. أشعر بجسدي تحت قميصه والهواء يحركه في قلبي. أحبّه، لكني أكره فكرة استباحة مشاعري، وضعف أن يمتلكها آخر مهما كان حبّي له.
- الجلاد فقط هو القادر على خلعك من جذورك!
- أريد أن أظل الفتاة الناضجة في عينيه، الواثقة التي تعرف كيف تكتمل فيه.
@@@
ذهبت إليه بفستانها الجميل المضمخ بعطرها الأخّاذ. أطرافه داعبت ساقيها كلّما هزتها نسماتُ هواء عليلة. الفستان أسفل الركبة بقليل، ألوانه متماوجة كأنها قوس سماوي يميل إلى اللون الأزرق. كانت تتجّه إليه وهو يراقبها، لينة في مشيتها، بِطَلَّتِها المميزة، وجاذبيتها الخاصّة.
جلست إليه. تحدّثا مطوّلاً. الحكاية تبدأ عندما تغادره، عندما ينتهي حلم تعيشه مفتوحة العينين. حاولت الإبقاء على توقدها بإخفاء حقيقة مشاعرها. وقف موّدعاً إياها بلباقته المعتادة، ورُقيّه المعهود. تصافحا قبل أن يفترقا.
@@@
عادت إلى المنزل. أدخلت المفتاح في رتاج الباب بيدٍ ترتجف. سقط المفتاح وهي تحاول عَبَثاً. طرقت الباب بعصبيّة، فركضت أختها لتفتح الباب. دخلت وأسقطت جسدها متهاوية على أوّل كرسي، حزينة مخطوفة لون الوجه. ارتابت أختها وسألتها: ماذا بك، هل تشاجرتما؟ .
هزّت رأسها بالنفي.
- ألَم يأت؟
هزّت رأسها لمرة ثانية، ثم أفسَحَت لدموعٍ احتبستها حتى اللحظة الأخيرة. انفلتت وهي تبكي بحرقة. حاولت الأخرى أن تخفف عنها: ماذا يبكيك؟ .
بنشيج وصوت مقهور: جميل ووسيم، أنيق، متألق، دافئ كعادته، ناضج كتفاحة بين يديّ الحمقاوين! رتّبَ حياته ليكون هو محورها. كَوْنِيٌّ إلى درجة نزيف أوقاتي وساعاتي وعمري بين يديه في لحظات. أشعر أنني امرأة بين يديه. هل تعلمين ماذا يعني هذا الشعور؟ .
- لم يسبق أن شعرت به!
- يعني، تستحيلُ عودتك إلى بكارتك، إلى نشيد الصبايا العالقات بصور أبطال المسلسلات. الهواء يفضّك ويحوّلك سماءً أرجوانيّة، يمطرك ويعطرك بالورود. أنا لستُ مجرد فتاة عندما أحب!
- ما الذي يبكيكِ إذا؟
- لأنه يوجعني بغيابه عني. منغمس هو فيَّ، وأنا مفتونة به. تلهمني عيناه وتسجّيني بسمته. أنا أمتلك كل الأشياء التي تقول لي إنني أحبه، لكنني لا أريد أن أصدّق! أتذكرين؟ كثيراً ما نصحتكِ بعدم الاكتراث بمثل هذه المشاعر التي ستصنع فتيلا

المزيد


رائحةُ شياط

أيار 8th, 2009 كتبها منال حمدي نشر في , أدب

 
رائحةُ شياط
 
6.jpg
2008-11-14

منال حمدي - إلى الطبيبين كامل العفيفي ومنتصر البلبيسي

أتجهُ الآن مبكرة إلى المستشفى. الصباح يزفر معي ويترك أنّاته تسبح في ذرّات الهواء التي شممتها مرارا.
قال: غرف الدرجات الأولى والثانية والثالثة مشغولة، كلّها ، وأشارَ إلى الجالسين من المغتربين المرضى: هم أيضا مثلك. لا يوجد أسِرّة فارغة .
توجهتُ إلى غرفة الطوارئ وتهيأتُ لدخول عمليتي. لستُ وحدي مَن يتأهب لذلك؛ فهناك آخرون في غرفة العمليات: أطباء، تخديريون، ممرضون، مساعدون. كلهم يتأهبون معي للسبب نفسه، في يوم من الشهر، في ساعة محددة من النهار، وفي غرفة خاصة من الغرف.
ساقي مهمة كالدماغ، والقلب، والوريد الذي أتعاطى من خلاله الإبر المضادة للالتهاب. لكن، وبصدق، أصبحَت هذه الإبَر حميمة. فهي تسري في أوردتي سريان الدم في العروق! أنا أرى أنَّ الحياة لا تتوقف عندما يتوقف نبض القلب فقط. تتوقف الحياة، أيضا، عندما لا تعد الساق تتحرك. بالنسبة لي على الأقلّ.
 جبصين !.
ذُهلِت. كان أن تبعثرتُ متكسرةً، في عقلي وخيالي المضطرب، بين المستشفيات والفحوصات المخبرية وصور الأشعة والمراجعات والعيادات والصيادلة. كنت أكثر من مجنونة عندما رأيتُ ساقي محاصرة بإحكام، ترزح داخل هيكل من الجبصين السميك. هيكل بغيض في شكله، وثقيل على الروح. هيكل يلتفُّ حول ساقي اليمنى، ويمتد من أصابع القدم حتى أعلى الفخذ. ظننتُ للوهلة الأولى أن الثقل الذي في ساقي سببه تخدير العملية. واكتشفتُ أنَّ ما بين الصحو واليقظة هناك مئات الكوابيس، وحلما واحدا.
حلم يشبه الريش النفّاش عندما ينتثر في السقف. ينتثر ويتهاوى ببطء شديد على وجهي. لكنني بكيت. بكيت دون أن أدرك ماذا سيحدث لي بعد. ثم مسحتُ دموعي، فباغتتني رائحة كأنّها الشياط. أكلّما أبكي سأشتم الرائحة نفسها؟.
الآن أصحو وأستعيد وعيي تماما. أتأملني بفزع ومرارة، وأواصل البكاء. ثم أمسح دموعي بِكُمّ بيجامتي البيضاء المطبوعة بورود زهرية اللون..
***
الصوت آت بحضور واضح من جهة الباب. حاولتُ استحضار الصوت، فأنا أعرفه جيدا وإنْ كنتُ لا أتذكر صاحبه، ولا أستطيع رؤيته بسبب الستارة التي تحجب سريري. قال بنبرة مرتفعة، وقبل أن يصلني وأراه برفقة مجموعة أطباء خطواتهم لا تُسْمَع فوق الأرض المطاطية:.
 أين صديقتي ؟.
ربما أراد التخفيف عني لكآبةٍ حَدَسَ بها بسبب الجبصين. وقف ودودا ونظر إليَّ بعينين متوقدتين، وبروح مَرَحٍ يألفها أطباء يدخلون النفوسَ المتضعضعة بكلماتهم، مثلما يدخل مبضعهم اللحمَ ليصلح الجسد.
 لماذا كل هذا الارتفاع! للفخذ! وهذا السُمْك !، سألته بنبرة عَتَب، ولَوم، وبما يشبه الشجب.
لهذا الطبيب مهابة الأب، ومسحة البرجوازي النظيف. لكنه تابع:.
 عادةً لا أحضر إلى ال

المزيد


يشربه الورد أحيانًا

أيار 11th, 2009 كتبها منال حمدي نشر في , أدب

 

يشربه الورد أحياناً

منال حمدي - اعتادت كلما صنعت شراب الورد أن تعبئه في زجاجات وتضعها في الثلاجة. تحب صناعته أكثر من شربه؛ فثلاجتها تفيض به، ولذلك باتت تفضّل إهداءه لزبائنها..
@@@
في تلك الليلة المثقلة بالهواء الملتهب والرطوبة العالية، كانت تقف أمام الشباك عندما صُفق الباب خلفها، إلا أنها لم تأبه لهذا الزائر ولم تلتفت لحظتها، حتى من باب الفضول؛ لأنها اعتادت على مجيئهم كل يوم وفي كل الأوقات وباتت تحفظهم عن ظهر قلب.
بعد حين أغلقت النافذة وارتدَّت إلى الخلف. نظرت إليه بتملّق. تأملت نظراته الشاخصة ووجنتيه المتوردتين وشفتيه الرقيقتين. تبسّمت باستخفاف وملل. اتجهت إلى غرفة نومها، ثم خرجت منها مرتدية ملابس كاشفة، مرخية شعرها فوق كتفيها، وكأنها حفظت درسها اليومي.
@@@
تمايلت بغنجٍ أمامه وذهبت إلى الثلاجة. فتحتها. تناولت شراب الورد وسكبت كأساً. اقتربت منه. قرّبت طرف الكأس إلى شفتيه، ثم مررتها متعرقةً بالهواء الساخن على وجنتيه المحمرّتين، ووضعت، هي الأخرى، خدها على الطرف المقابل من الكأس.
ناوَأته بنظراتها المصبوبة عليه بتركيز. داعبت صدره بأناملها. قالت بعذوبة وهشاشة: لماذا لا ينبت على صدرك زغب أداعبه تارة، ويثيرني تارة أخرى؟! . ثم أمالت الكأس وسكبت الشراب فوق صدره. اقتربت أكثر. ردمت كل الفراغات بينهما، لاصقة جسدها به، ثم طوّقته بذراعيها. ورغم كل هذه الإثارة إلا أنه ظل كمسمار لا يتحرك من مكانه:.
 هل تحاول أن تتمالك نفسك؟! لماذا لا تتوتر، لا ترغب، لا تتكلم، لا تحس، لا تشعر؟! ألا يهتاج جسدك حتى الآن؟! ألا تريد مني المكوث معك؟! لماذا أنت هنا إذاً؟! .
لكنها واصلت إذ لم تأبه لسكونه، ومالت برأسها لتلصق قُبلةً محمومةً فوق شفتيه. ابتعدت قليلاً. رفعت يدها اليسرى نحو أزرار القميص المضمخ برائحة جسدها. حررتها جميعها وألقت به بعيدًاً عنها. وهكذا تفلّتت من كل ما تلبس.
تمدّدت فوق الأريكة، أخذت تداعب جسدها بكلتا يديها، فاهتاج ح

المزيد


يوميات

أيار 11th, 2009 كتبها منال حمدي نشر في , أدب

 

يوميات

تكتبها: منال حمدي

؟ الأربعاء
أخذت بواسطة البلوتوث أغنية من صديق لمارسيل خليفة يغني قصيدة درويش، أنا يوسفٌ يا أبي . القصيدة لا ترصد أوجاعنا، تُعدد لنا مَن كذبوا علينا وخانونا، مَن ضحكوا في وجوهنا وطعنونا في الظهر، من اعتقدناهم أصدقاء وهم ألدُّ أعدائنا. يشكو لأبيه إخوته الذين لا يحبونه، ولا يريدونه بينهم، وينتظرون موته، طردوه من الحقل وسمموا عنبه، وأقفلوا بيت أبيهم عليهم دونه. يظل يوسف في القصيدة يبكي ذاته بين إخوته، ويبكينا.
محمود درويش! قلتَ لنا الحقيقة المُرَّة، ثم ذهبت إلى الموت لمرة واحدة. هل تعتقد أننا أقوى منك، لنواجه الموت مئة مرة في اليوم؟.

؟ الخميس
أجلسُ إلى الحاسوب، أتأملُ لوحات لرسّامين كبار، فتحتُ لوحة وثانية وثالثة، هي للرسام النمساوي جوستاف كليمنت. أخّاذ هذا النحت في الجسد، عقله في النحت ليس منطقياً، المنطق لا يصنع المعجزات في جسد المرأة! وهو حقاً يُقصينا عن أجسادنا لنتأمل الجسدَ الحُلم! أغلقتُ الحاسوب، تأملتُ ساقي وأنا أضعُ المرهم فوق الشقّ الطويل، الذي أحدثه الطبيب لإجراء عملية في العظم. ربما كما قال لي الطبيب، إنها ندبة رفيعة وبسيطة ولا تؤثر في شكل الساق أبداً، أتساءل: تراه؟ هل رأى لوحات جوستاف كليمنت، كيف يرسم أدق التفاصيل؟.

المزيد


باب سحري ودرجات متحركة

أيار 11th, 2009 كتبها منال حمدي نشر في , أدب

 

باب سحري ودرجات متحركة

منال حمدي* -  هذه المرة لم أتحمل ألم ساقي المكسورة كما في كل مرة. لم تكن لدي رغبة التعالي على الألم والتعب. وكذلك لست مبالية بإخفاء اصفرار وجهي بأي مادة تجميل. اضطررتُ للذهاب إلى طوارئ المستشفى. أخذتُ مكاني على أحد المقاعد في قاعة الانتظار، قبالة الباب، وبوَهَنٍ استطعت الجلوس عليه. استندتُ بثقل إلى عكّاز يسعف حركة ساقي المكسورة منذ أشهر. وأخيراً جلستُ مسندةً ظهري إلى الخلف، ولم أكن أملك سوى الانتظار ومراقبة الآخرين.
هناك دائما حالات مستعجلة تحتاج لقسم الطوارئ. دخول بطريقة مفاجئة ومرعبة، مفزعة وطارئة، مبكية وصارخة، كتلك الأم التي تتراكض خلف ابنها تتلهف لأن تلحق به من غرفة إلى أخرى، وهناك حالات، مثلي، تتشبث بالانتظار وسيلةً تهادِنُ بها الألم، ظللتُ أسلّطُ ناظريَّ على الباب.
أتخيّل أنّ هناك أُماً أخرى ستدخل الباب نفسه الذي دخلته تلك الأم، ربما هي أمٌ آتية وفي ظهرها السماء، يكشف الغطاءُ عن تجلٍّ نوارني يصاحب ولوجها الشفيف بلا وزن، تخيّلتها تقول لي معاتبة:.
”كيف تأتين إلى المستشفى دون علمي؟ هل أعرف بالصدفة أنك هنا!”.
ثم تجلس بالقرب مني، عن يميني أو عن يساري لا يهم. المهم أنها تنتظر الطبيب معي ولأجلي؛ ذات الطبيب الذي أحتاجه. ستكّلمه وتطلب منه أن يطمئنها على حالتي، ثم تدعو لي بالشفاء.

***

انهمكتُ أكثر بتصفح الوجوه. الأيادي المتلاحمة والحانية بعضها على بعض. من الواضح أن تلك المرأة تمسك بيد ابنتها، وتلك تمسك بيد أمها، لا يهم مَن منهن تمسك بيد الأخرى. الأهم أنهما تسيران جنبا إلى جنب، وهنالك طراوة ما وكثير من الحنان.
تكرّر هذا المشهد مرات أمامي. رحتُ فيه. لكنني، وبشكل مفاجئ التفتُّ حولي، فلم أرَ أمي: ”ربما ذهبت تستعجل الطبيب”.
بدأت أنظر للبعيد، أبعد من مرمى البصر، أقصى بعيد قد تقع عليه عيناي، غير أن الممرات الطويلة التي تنتهي بممرات متفرعة عنها تنغلق أمام ناظري. أتعبتُ رقبتي بالالتفات في كل الاتجاهات، ثم عدت أسلّط ناظري على الباب الكهربائي أمامي:.
”خلف هذا الباب لا أنتظر سوى حلم. يا ليت الأشياء كما الحلم!”.

***

تذكرتُني عندما كنت صغيرة. كان يطيب لي الوقوف خلف الباب الكهربائي ليفتح من تلقائه. تنتابني عظمة التسيّد على باب خرافيّ، أكون عليه الآمرة الناهية: ”افتحْ، انغلِقْ!!!” كنت أستغرب كيف يلّبي أوامري بهذه السرعة والسلاسة والخفّة؟! تخيلته يشبه مغارة على بابا التي كا

المزيد


نجوم في بلّورة

أيار 11th, 2009 كتبها منال حمدي نشر في , أدب

 

نجوم في بلّورة

منال حمدي - دستُ على الكوابح بشكل مفاجئ، فانبعث من العجلات المتوقفة بعنف شاحطةً بالإسفلت، رائحةٌ تشبه الاحتراق. التفتُّ إلى طفلي الأصم الذي استيقظ بهلع. احتضنته ومسّدتُ على شعره محاولة تهدئة الخوف الذي بدا في عينيه. تلفتُّ أنظر إلى الوادي المحاذي ليمين السيارة:
 أنا أسلك الطريق الخاطئ نحو القرية! هل نسيتها؟ ربما؛ فأنا لم أزرها منذ سنوات .
تابعت السير بعدما سلكت الطريق الصحيح، إلا أنَّ ذكرياتي لم تفارقني، وظلت تتوالى متسلسلة دون انقطاع:
 أكره الذكريات، تلك التي تفرض ذاتها فتتحول إلى زائر ثقيل! إنها تهوي بي إلى الأسفل، تمرُّ بكل كبيرة وصغيرة؛ حتى في تلك الممرات الضيقة حتى ترمي بي إلى العمق، هذا الذي يجتاحني أكثر من اللازم، ثم يمضي بي فلا يتوقف. تتهيّج الذكرياتُ داخلي عند كل مطب، تنسلخ عني حكاياتي، فواصل زمن لا أدركها أبداً. أنا أنفصل عني، كل لحظة أنفصلُ عني! كيف لا أدري؟ أغمض عينيَّ محاولةً إعتام هذه الغفوة فيهما، عبثاً! أراني، في يوم ما، في زمن ما، في ساعة ما، كأنني رقم ما أعدّه مئات المرات حتى يتحول إلى أرقام لا نهاية لها، كأنني أحجام وقد تضخمت فِيّ تراكماتي فأصبتُ بالتخمة، وتحولتُ إلى لا شيء تذروني رياحي، وأطفو زَبَداً يهبّله الهواء الساخن، ربما لا أحتاج هذا العمق بقدر حاجتي إلى الانفصال عني، والاسترسال بالحياة العادية تخففاً منها.
***
مددتُ يدي لطفلي، وقلت له بلغة الصمِّ التي لا يحتاج أحد أن يتعلمها إلا إذا كان أصمّ، أو يعيش في محيطه مَن هو أصم. لغة ليست دارجة؟! سحقاً لهذا العالم البغيض المتكلم بجميع اللغات واللهجات دون لغتهم، وكأنه يقصيهم عن الحياة:
- أعطني هذا.
كانت بلورة في داخلها زئبق، يحركها ببطء مقيت فتتحركُ القصاصات الصغيرة الذهبية اللّمّاعة والفضيّة، وبعضُ أشكال من النجوم. وضعتها أمامي على الطاولة. أخذتُ بأنملتي أحرك هذا العالم الدائري ثم أستجيب لغياب وتماهٍ لذيذ يهبني إياه. مدٌّ يفضّه جزر متيقظ وحذر دائماً. اقترب مني وتناولها دون حتى أن يلفت انتباهي ولو بحركة صغيرة منه، وذهب. لحقتُ به. نظرتُ إليه واضعةً كفاً على خصري، والأخرى أضرب بأطراف أصابعي الطاولة، لكنني انتبهت أنني لم أكن موجودة. هو لا يراني، ولا يعنيه وجودي، دون أن أهزّ جسده أو أقف أمامه لافتةً انتباهه.
ذهبتُ أصنع الشاي لتحضير الفطور. غابَ فِيّ الوعي من جديد، ليعود في أغلب المرات دوني، وإنْ كنتُ أنجح أحياناً في استدراكه. أطوفُ أنا كَزَبَدٍ يسقط من فم النجوم قبل الشروق على السطح.
هذا السبرُ في العمق بطيء يحتاج لزمن حتى يستقرّ في القاع. بطيء، وزئبقي، ويمنحني الغوص فيه تحت سماء مكشوفة. وعندما أعود، أجدُ طبقةً من الجليد تطفو فوق سطحي. يمنحني الركود حيث لا أرى نفسي. لم أكن أدري أنني بهذا الدوران أعود للوراء آلاف السنين، حين كان الجليد قبل الشروق وبعد الشروق، قبل الحياة وبعد الممات.
سقط الكأس من يدي وفوقه مغيب أحمر. ذكرياتنا صمّاء أيضاً، تدرك تماماً كيف توجعنا وتحجب عنّا حوارها. كأنها فيلم تسجيلي لا يتوقف عن إرسال الإشارات من خلال تلك الذبذبات السريعة، الفلتات والسقطات والهفوات. ثم تغمض الشاشة وفوقها ذات المغيب الأحمر.
- هيا، سنتناول فطورنا اليوم في مطعم.
دون أي إيماءات كعادته، تناول مني الثياب التي سيرتديها.
المطعم صغير، في أقصى زاوية من نهاية الشارع. أجلسته على طاولة منزوية. تصفحنا قائمة الطعام، ثم ناديتُ النادلَ وطلبتُ وجبة الإفطار. نظرت إليه وابتسمت:
- لقد اخترتُ لكَ فطورك وانتهى. بإمكانك ترك قائمة الطعام. لا تربك نفسك بها.
تركها وهو ينظر إلي. لا لم يكن ينظر إليّ، كأنّ هناك أنّاتٌ ما يحاول إرسالها لي بإشارات متّقدة تجهز للاشتعال. مددتُ يدي أمسك بيديه الصغيرتين:
- هل يوجعك شيء حبيبي؟
لكنه سحبهما والتفتَ ينظر إلى البعيد.
كان شكلُ الفطور شهي، ورائحته أيضاً، عندما كان النادل يضعه على الطاولة؛ لكنني كنت أفقد تلك الشهيّة والمذاق كلّما ذابا في عتمة المعدة.

المزيد


قشور سهلة

أيار 11th, 2009 كتبها منال حمدي نشر في , أدب

قشور سهلة

منال حمدي

رفسَ الغطاء بكلتا قدميه وركضَ نحو الحمّام. أفرغَ كل ما في معدته.
غسلَ وجهه. وضعَ رأسه تحت الصنبور، ونثر الماء وهو يهزُّ رأسه بعنف.
عاد إلى غرفة النوم. وجدها تبكي وهي ترتدي ثيابها على عجل. حاول الاقتراب ومدَّ يده الراجفة، إلاّ أنها ابتعدت بينما تمسحُ دموعها.
قال: أنا آسف. ردّت بخجل: تعتذر؟ لا عليك، كأنَّ شيئاً لم يكن. هل لدى الطبيب حل؟ لا. إلاّ إذا أعادَ الله خلقي من جديد. قال محرَجَاً: لا أدري ماذا أقول لكِ! أجابته كمن تريد إنهاء المسألة: لا تقُلْ شيئاً، ولنفسها أخذت تردد صدى أفكارها: لكنني أمتلك صدراً طرياً وقلباً حيّاً. أتفهم ماذا يعني حيّاً؟ يوقظني جسدُ الرجل، ويجعل مني امرأة تنساب برفق في روحه. ليس ذنبك وليس ذنبي! لكنني حدّثتكَ بكل شيء. أليس من الأفضل لو وفّرتَ عليَّ وجعاً جديداً ومرارةً أخرى؟
***
تداهمها هذه الذكريات كلما استلقت في سريرها، فتبكي بنحيب. شمّت، يومها، رائحة قَرَفَهُ من جسدها وهو يفرغ ما في معدته، رغماً عنه.
حينذاك، فزّت من سريرها. فتحت الباب ونادت على حارس البناية. صعد إليها. وعند الباب طلبت منه أن يبحث لها عن بيت آخر تسكنه. كانت رسائله وأوراقه مكدّسة تتثاءب ظلاله فيها. تتقافز من مكانها مع كل رفّة عين.
ظلّت يدها ساكنة على مقبض الباب عندما همّت بغلقه، ثم رفعت عينيها إلى الطابق العلوي، وحدّثت نفسها: أليس الرحيل أفضل؟ ستزول تلك المصادفات التي تجمعني به كلّما صعدتُ الدرج أو نزلته. سأصعد درج منزلي الجديد دون أن أتعرض لهذه المصادفات. أفضل لنا أن نعيش في بنايتين منفصلتين.
لا أريد أن أراه. ما زالت الذكريات شريطاً بطول الشوارع التي تعبرها.
عندما التقته لأول مرّة كان على السطح. ثم أخذ يتعمّد الوقوف عند باب بيته كلّما أحسّ بها تصعد إلى السطح. وكان يصعد خلفها.
***
بابتسامة صعبة قابلت الممرضة. اختارت مقعداً منعزلاً في العيادة، وفكّرت: ربما الذكريات هي التي تسبب الوقت الذي لا نريده، فتحدث ضجيجاً وشرخاً في فراغ قد

المزيد


الطابور

أيار 11th, 2009 كتبها منال حمدي نشر في , أدب

الطابور

منال حمدي - الوقت يطول. يطول ويشبه الطابور الممتد أمامها. الناس تتشابه بملامحها التي تفصح عنها، وتفضح تعب نهارها. بإمكان أي مارٍّ تخمين حكاية ذاك، أو قصة تلك.
سائق الباص يخبئ رأسه خلف المقوَد. يقضم قطعة خبز بعيداً عن أعين الناس، ثم يعتدل بعفوية مصطنعة، ويمسح فمه من بقايا الطعام. بعدها تكون المقاعد قد امتلأت بالركّاب. أما الفراغات المتناثرة بينها؛ فتكتظ بالرجال الذين يضطرون للوقوف متقلقلين طوال الطريق. وَلَّدَ تأملها للمشهد المللَ والإحباط من إمكانية أن يصل دورها قبل فوات الأوان.
كان قميصها الفضفاض يلتصق بجسدها. العرَق ينضح من مساماته، متخذًا مسارب دبقة تسببت بها الشمس، والطابور المتراص، والمظلة الوحيدة التي لا تقي المندفعين نحوها. ازداد وجهها اشتعالاً. تأففت وهي تردد بصوت خفيض: ليتني لا أسكن الرصيفة! .
@@@
انزلق الشاب الواقف خلفها إلى الأمام بتراصّ يكاد يكون غير مقصود، والتصق بها. وما لبثت لحظات قليلة حتّى التصق أكثر، ملتفتاً إلى الخلف مبدياً نظرة استياء مفتعلة، كأنما دُفِعَ دفعاً، ثم زادَ من التصاقه بثقة أكبر. ارتبكت، وظلت متسمرة في مكانها.
@@@
تحولت مشادة كلامية، أثناء وقوفها في الطابور، إلى شجار طال العديد من الواقفين في موقف الباصات. اختل نظام الطابور وتخلخلت أجزاؤه. استدارت للخلف تراقب ما يحدث، فاصطدمت بذاك الشاب الذي يقف خلفها وجهاً لوجه. كانت اعتقدت أنه استدار مثلها من باب الفضول. انطبعت ملامحه في مخيلتها، رغم أنها مجرد لحظة.
مدَّ يديه ليلتصق بها، كأنه يعيد بذلك تركيب أجزاء لعبة تفككت للتو، وها هو يغلق فراغاتها. حبسها ارتباكُها داخل الخطوة ا

المزيد


حوار أجرته جريدة الرأي

أيار 11th, 2009 كتبها منال حمدي نشر في , أدب

قاصة ترى أن القراءة مشروع الكاتب الذي يتجه لإيضاح كينونته

منال حمدي : الكتابة نقصان

حاورها - حسين نشوان - قالت القاصة منال حمدي منذ طفولتي كنت أهتم بتلك الصفحات التي تُعنى بالأدب، ولي دفاتر كثيرة نقلتُ عليها أجمل المأثورات وأجمل الأبيات الشعرية وأجمل النصوص. كَبُرَتْ معي وكبرتُ من خلالها إلى أن تجسَّد ارتباطي بالأدب في مجموعة قصصية. هذا الكتاب الحلم .
وأضافت انها تعد القصة رسالة، فهي حدث كبير من خلالها نخلق تضاريسنا ونعبّر بالطريقة التي نراها مناسبة. نحفر في كل الاتجاهات، وفي النهاية نحن لسنا سوى مالكين لسطورنا لوقت يمضي مع الزمن، ثم يتحول إلى ملكية عامة.
وقالت انني اتجهتُ نحو كتابة تجاربي في الفترة الأخيرة بعد حادث.
وتحولت يومياتي إلى قصص، المستشفى، الأطباء، والخوف من الشوارع حتى وإن كانت خالية من السيارات والناس.

* عن كتابك الأخير لجهة موضوع وآراء النقّاد ؟
* كتابي الأول ما يزال كتابي الأخير والذي يشرع لمجموعات أخرى:   عَ رَب   الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر لعام 2002. قبل أن يكون لي كتاب كنت أحلم بأن أملك إصدارًا. منذ طفولتي كنت أهتم بتلك الصفحات التي تُعنى بالأدب، ولي دفاتر كثيرة نقلتُ عليها أجمل المأثورات وأجمل الأبيات الشعرية وأجمل النصوص. كَبُرَتْ معي وكبرتُ من خلالها إلى أن تجسَّد ارتباطي بالأدب في مجموعة قصصية.
هذا الكتاب هو الحلم الذي حَبَا وتوّجته وأعلنتُه على الملأ. استمتعتُ وأنا أماوج الأفكار مع لغة الأسطورة والفانتازيا. ربما أثّرت داخلي كثيرًا تلك القصص التي امتعتْ طفولتنا، وهي ذاتها التي أمتعتنا كبارا. نحن نعود للطفولة التي كبرت فينا قَلمًا وإبداعًا، قصة وموضوعًا وحياة. قصص عن كبار تعاملوا مع معطيات خيالية حوّلتهم لأسطورة: البساط السحري، العصا السحرية، مغارة علي بابا، والعبارة السحرية لفتح باب تلك المغارة. بير زويلة، والشاطر حسن، ليلى والذئب، زرقاء اليمامة، علاء الدين والفانوس السحري، المارد الذي يعثر على قمقم في عمق البحر.
الأمير الذي يحوّله الساحر إلى وحش قبيح وتعيده امرأة بطيبتها إلى طبيعته. ابتعدنا كثيرًا عن هذه الجماليات، حتى فقدنا المفاتيح لنسطر بها أحلامنا لتصبح واقعية أكثر من واقعنا.
لذلك فأنا أشارك غيري من هؤلاء الكتّاب الذين يرون أنه ليس منطقيًا الفصل بين قصص موجهة للكبار وقصص موجهة للصغار. هناك تفاوت في الآراء حول طريقة تجسيدي للفكرة وحول أسطرتها. منها ما يرى صعوبة العمل بهذا النَفَس وعدم مجاراته لأرض الواقع، على مشاكسته ونزعته وتخيّله، حتى وإن كان أسلوبًا رمزيًا هجائيًا ساخرًا ناقدًا لواقعنا. وأنه أسلوب بعيد تمامًا عن الواقعية والحياة الاجتماعية. ومنها ما اتفق معه وعاش جمالياته واعتبره مجسّات حيوية لفهم ما يدور في عوالمنا.

* بعد صدور مجموعتك الأولى، ما الإحساس الذي تركه هذا الخروج من النص الى المتن ؟

* بعد صدور هذه المجموعة تأملتها كغيري من القرّاء، محاولة الابتعاد عن فكرة رسالة الكاتب التي آمنت بها كشابة مؤججة بالحماس. أردت أن أتحدث مطولاً عن تاريخنا العربي القديم والتذكير بدور العربي الريادي في تشكيل الأرض وما عليها. اعتبرت القصة رسالة، فهي حدث كبير أنا حفرت خطواتٍ معدوداتٍ في طريقه المعبَّد بالمتاعب. نحن نقول كل ما نريد أن نقوله، نخلق تضاريسنا ونعبّر بالطريقة التي نراها مناسبة. نحفر في كل الاتجاهات، ونضمر الأمنيات. نتجلّى في كل أحجيات العمل وتوقده واشتعاله داخل بوتقتنا الخاصة. في النهاية نحن لسنا سوى مالكين لسطورنا لوقت يمضي مع الزمن، ثم يتحول إلى ملكية عامة. نحن نقف خلفهم جميعهم.
أحسستُ أنني أرضيتُ بعضًا مما كنت أود في تعاملي مع الأسطورة، وإيجاد ملمح خاص لي من خلالها، نوعًا ما، بطريقة ما، أجسّدُ من خلالها بعض التفاصيل: امرأة من عالم الأحلام يرسمها حبيبها مستبدلاً سيقانها بدرجات يصعدها رجل على هيئة قزم، بعدما تأثر بفكرة التقليد الأعمى، وهي ذاتها الحبيبة التي كان يتصوفها في معبد حتى تبقى بعيدًا عن أعين الناس. ما أثار انتباهي في هذه التجربة قلة المهتمين بالأسطورة وندرة والمؤمنين بها في الكتابة العربية، بينما نجد في الغرب اهتمامًا منقطع النظير بالأسطورة، وتوظيفها لمعايشة الواقع. كاهتمامهم بسلسلة روايات   هاري بوتر   كمثال، والتي باعت ما يقارب 300 مليون نسخة، فأصبحت بعد ذلك من أثرياء العالم. والثراء الأكبر إدهاشها لجميع الفئات العمرية كبيرًا كان أو صغيرًا، جميعهم حلّقوا معها بإعجاب وحماس.
ومع ذلك، ومع تجربتي الكتابية الأولى كان لا بد من تشريح للقصص التي قدمتُها. اللمعة الأولى تعني التوقف والوقوف، حرية مس

المزيد





فرحا بشيء ما خفيٍّ، كنت أَمشي
حالما بقصيدة زرقاء من سطرين، من
سطرين... عن فرح خفيف الوزن،
مرئيٍّ وسرِّيٍّ معا
مَنْ لا يحبّ الآن،
في هذا الصباح،
فلن يحبَّ !

"محمود درويش"