الانتحار .. فراغ ارستقراطي

كتبهامنال حمدي ، في 3 أغسطس 2009 الساعة: 06:53 ص

 

الانتحار.. فراغ أرستقراطي

منال حمدي - دائماً نجزم بأننا تلزمنا الشهرة والأضواء والمقاعد المخملية والمايكات واسعة المدى، وتاريخ لا ظلّ له خارج حدودنا، كأننا العالم وكل الكائنات ذرات فيه! وربما نصل إلى ما نحلم أن نصل إليه، لكننا وبعد مضي الوقت المرهون بالعمر، نكتشف أنّنا لم نكن بحجم الحُلم، وأنّه كلّما كبُر، حوّلنا إلى جُرم صغير، وأننا كنّا نحجّم أنفسنا في بوتقة لا تفلت عن حدود الذات.
تجاربُ الآخرين تفرض علينا أن نقرأها ونتأملها، وقد نظن أننا معرّضون لذات الخطر؛ لأننا أيضاً ذهبت بنا أحلامنا حيث الآخرون ذهبوا، الرجوع يعني مربعاً فيه حلم مفجوع.
الكاتب والطبيب المنتحِر دايل كارنيجي، يقارب مخاوفنا، ويظلل لنا طريقه، وقد سلكها وسلكناها تباعاً، لنقطع الشوط إلى كارنيجي. كتُب هذا المؤلف رائجة ومباعة بأعداد هائلة، فهي قادرة على تجاوز العقبات النفسية لتتحوصل داخل الروح، مشكّلةً الشرارة الأولى لتفجير الحياة بعيداً عن موت محقق. موت يلحّ علينا ليتحول إلى خطوة مرجوّة نحو الخلاص.
كتابه حمل عنوان دع القلق وابدأ الحياة ، الحياة تعني له سلوكاً واستدراكاً ووعياً واستنطاقاً وتأملاً لكل جمال مكنون يعبُّ بالآفاق الرحبة التي تُخرجنا أحياءً.
طبيب استطاع أن يؤثر في الحياة الإنسانية لتغدو أكثر فهماً وتقبلاً، بعيداً عن القلق والهموم التي تعرقل المسيرة. مرتفعاً بالقيمة البشرية إلى الذروة. لكنه هو ذاته الطبيب المنتحِر!.
كارنيجي، الذي علّمنا من خلال كتبه كيف نكسب أنفسنا والآخرين، كيف نتأمل نقطة مركزية تتمحور داخلنا تكون هي بداية ألق لحياة مشعّة لمنطوق يبدأ بالوضوح مع كل خطوة اقتراب منه، ذاته الذي يقع في فخ الانتحار مرتين: مرة ونحن ننظر إليه كطبيب تُعَلّمه مهنته كيف يجعل من صحته النفسية والجسدية مثالاً يحتذي به الآخرون؛ ومرة كمتقن لفن الكلمة والتعبير وتأرجحها في مناخات الحياة. وكثيراً ما تَعَلّمنا أنه الطبيب الذي له مسحة بإمكانها أن تنشلنا من متاعبنا الصحية والنفسية، وبالتالي فإنه ليس بحاجة لمن يُضَمّخه بحبه، أو إلى أذنين تحسنان الاستماع إليه جيداً. ربما نحن أشد فتكاً به، من فتك معضلاتنا اليومية علينا، لأننا بشر وأقصيناه إلى ملائكية، تنسينا بشريته!.
الذهن الذي ينكفئ على معطيات ما خاصة بنا، التأمل والشرود وتحويل الأفكار إلى حركات بصرية لها وهج ما، الشرارات التي تبدأ بالانفلات من بؤرة محورية ومتمركزة يتحول فيها الإدراك والوعي إلى حالة لجيّة عميقة تثير التساؤلات والنوازع البشرية. ربما نسي كارنيجي أنها أسباب كافية لفكرة التخلّص من الحياة.
كُتبه عيادة نفسية محمولة باليد، مقروءة بالعين والقلب واللسان. ظننا أننا قرأنا هذا الطبيب من خلال ما كَتب. كنت أحاول رسم تصور خاص عن حياته، بهدوئها وسكينتها، ولم أظن للحظة أنه يتقن فن الهرب من الحياة بهذه الطريقة التهويمية! طريقة التفاني بالعطاء، ليلوذ بالفرار من نفسه. نظن أنَّ من يكتب عن الإنسانية، يفعل ذلك لأنه يعي تماماً كيف يخرج من متاهاتها سالماً معافى.
لا يكفي أن نكون أصحّاء الجسد، وإلا لما كان هذا الإبداع مهدداً بوأد صاحبه، ووضعه تحت العناوين الحمراء. الملايين الذين يصفّقون ويشترون ويحظون بمثل هذا الأدب هم في الواقع شخص واحد، لأنهم غير موجودين في اليوميات والأجندة الشخصية. هم سبب النجاح والشهرة والكتب التي تُطبع بأعداد هائلة، لكنهم أنفسهم قد يكونون سبباً في السقوط، ورحيله إلى المجهول. ربما كان يكفيه شخص واحد يستعيض به عن كل هؤلاء الذين ربما كانوا السبب الوجيه الذي أودى به إلى الانتحار.
@ @ @

آرنست همنجواي، الحائز على جائزة نوبل للآداب عن روايته العالمية الشيخ والبحر ، حرق خلفه الطريق بانتحاره، قاطعاً على الآخرين شوط عبوره، هذا العبور لم يعد يشكل هدفاً نوبِليّاً بالنسبة له، معلنها أرضاً مطاطية حرِجَة. وقد زرع بدايات الموت المتمثلة ضمناً بما لا يألفه الآخرون.
همنجواي بعدما قارب نهايته التي تعدت حدود الشهرة والنزعة الواثقة، اتجه إلى وحدة دفعته ليقتل نفسه ببندقية قديمة. لم تمتلئ فراغاته بما أملى به أوراقاً بحبر سائل. هل تعني هذه الشهرة امتلاءه بالناس؟ ماذا يعني أن يملأ بهم يومياته وهو فارغ منهم، وقد تُرِك وحيداً تستنزفه وحدته.
يصبح الامتلاء فراغاً يُشعِرَ الكاتب المنتحِر بعد فوات الأوان، أنّ الموت فعلٌ ارستقراطي يليق بفئة من الناس: تلك القادرة على الموت مجدداً. الشهرة التي تعني بداية الانكماش على الذات. هؤلاء الآخرون الذين نرقبهم من بعيد وعن كثب: نجاحاتهم المتواصلة، الأوسكارات، النوبل، التكريم، الترف، المليارات، ماذا تفعل بهم، وكيف تقصيهم إلى الطرف الآخر من الحياة؟.
الشهرة والرّواج لم يكونا سببين كافين يحررانه من وحدته. هي على النقيض تماماً من حياة الاستقرار والأمان والنهاية المعقولة. وحدته وعزلته اللتان دفعتا به إلى الانتحار. نحن لا نحتاج إلى العالم وإن كنا نطلق العنان لأنفسنا سعياً للشهرة.
هل يحتاج الانتحار إلى تفكير، أم هو تنفيذ عاجل لتفكير مؤجل؟ نستطيع تنفيذ هذا القرار، لا مواجهته. لا يمكن الوقوف وجهاً لوجه أمامه. المواجهة تحتاجنا، في أوج الحماسة والانتصار المبطن.
هم في عمر العطاء وفي لهفته. ما الذي يدفعهم للانتحار؟ الانتحار هو سؤالنا وليس سؤالهم، هم مضوا وتركوا لنا جملة من الأسئلة، لا ننجح في الإجابات عنها بالإنابة عنهم، كلّ منا يحمل جواب النقيض من الجسد المادي وهو يعبر روحه الأثيرية.
هل يجعلنا نعتقد أن الحلول الأثيرية تبدأ بالانتحار؟ ما الذي يجعل مثل هذه الفكرة تكوّرنا داخل كرة سهلٌ رميُها من بُعد يَشهق البدايات ويجعل منها نَفَسَه الأخير؟
@ @ @

ربما علينا أن ندرك أيضاً أن هذا الفعل لا يعني موت الجسد لمرة واحدة! فقد يكون محاولات فشلت لمرات في العمر وتمارَس لمرات في اليوم الواحد. المطلع على حياة الروائية فرنسواز ساجان، يرى هذا الجانب. فهي مالكة ثروة المال والجمال، التي تجاوز حجم ثروتها خمسمائة مليون فرنك فرنسي جراء مبيعاتها، لكن هذه الثروة ذهبت بها إلى بذخ تفشّى في يومياتها كمرض، أدى إلى انتحار يومي بإدمانها على الكحول وتعاطي المخدرات وسهراتها الليلية.
بدأت حياتها بمعاقرة الحزن، وقد تجسّد ذلك في روايتها صباح الخير أيها الحزن ، التي كتبتها وهي ابنة الثمانية عشر ربيعاً، وظلت على هذا السلوك حتى غسلت نفسها وهي على حافة مشارف الأربعين بروايتها امرأة عند مشارف الأربعين ، التي طردت فيها خوفها من التجاعيد بشجاعة أكثر من غيرها، بعد مضي تسع وثلاثين عاماً من عمرها. وهي ذاتها التي تعرّضت لحادث سير مفجع كاد يودي بحياتها، وعانت بسببه من أوجاع وكسور وتردٍّ في وضعها الصحي والنفسي، ما اضطرها للّجوء إلى طبيب نفسي، ليساعدها على المضي قدماً في الحياة؛ بعد تصميم أخيها على إنقاذها، وقد نجح.
موتَتُها ليست هادئة كما توصَف، فقد حدثت في المستشفى بعد مرض طويل سبّبه إدمانها على المخدرات والكحول والحزن؛ الذي ظنت أنها تغسلة وهي على حافة الأربعين. امرأة بقدر ما هي منفتحة على مجتمعها الخارجي، تبدو منغلقة على روحها.
هل يعني الانتحار رصاصة في الرأس، أو كمية حبوب تُبلع دفعة واحدة بهدف الموت؟ من المؤكد كما تدلّ الدراسات أنّ أساليب الانتحار المختلفة لها تفسيرات تتعلق بالمنتحِر نفسه. لكن يظل موت يحزّ أرواحنا كل يوم ونحن نعطيه الأداة، قاتِلُنا معنا كل يوم وأينما ذهبنا.
ما ذاك الشيء الذي يدفعهمم للرحيل بهذه الطريقة؟ ما ذاك الشيء الذي قد يدفعنا نحن أيضاً للرحيل بهذه الطريقة ذات يوم؟ كل شيء بات متوقعاً، والأفظع أنّ كل شيء بات مألوفاً، حتى الموت الذي لا يكون قدراً.
ما أسهل الحزن عندما نستطيع اجتثاثه بروح أثيرية. أهي الشمس التي تشرق خلفهم؟ أهو الغروب الذي يطل عليهم، متكدراً، منهزماً، تاركاً بصمة الهدوء والسكينة تنساح على رمال تعلق بخطاهم على ملتقى منهم، وعلى منأى منا؟
هل هم أقوى منا، حين نقرر الانتحار مئات المرات، ونبتعد عن هذه الفكرة مئات المرات أيضاً؟!
@ @ @

ربما هو ليس قراراً، بل هو خطوة المتثائبين نحو الموت. خطوة العابثة بإيمانهم، الحياة بمرآتها التي لا نرى فيها وجوهنا، هذا الهلع، الذي يقول إننا نقف على عتبته، التي سرعان ما تبتلعنا إلى الداخل منه.
هو ليس مشروعاً علنيّ التنفيذ، ربما خلاصة تراكمات تنتهي بتسليم يصبح علنيّاً على الملأ. ربما في اللحظة نفسها، ربما بعد يوم، بعد يومين! يهيأ لي أن مثل هذا الموت بمثابة كاتم لصوت الفزع فينا حين يباغتنا بصرخته. يفرغ لحظاتنا من معنى آدميتنا.
الآدميون قادرون على قتل أنفسهم، وعلى شحذ أنفسهم بالموت منذ أول مطب، وحتى آخر نَفَس. قادرون، بل الانتحار ثيمة تميّزنا عن بقية الكائنات.
@ @ @

هناك منتحرون أقوى منا جميعنا؛ لولا أنهم لم يتباطأوا في تنفيذ القرار. وهم أضعفنا جميعنا، لولا أننا أرجأنا تنفيذ مثل هذا القرار.
نحن كلّنا ننتظر الفرصة المناسبة، كلّنا نظن أنَّ الفرصة المناسبة لم تسنح لنا بعد!
لكن في حضرة هذا القرار، نخاف ونرتجف، يصيبنا الذعر ونحن ننظر خلفنا، ونحن نلوذ إلى وسائل تنفيسية تجترّ ولو لوقتٍ نقمتَنا على كل شي، وربما أننا كلُّ شيء نريد أن نتخلّص منه، ربما أننا الحياةُ التي نريد أن نهرب منها.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول



فرحا بشيء ما خفيٍّ، كنت أَمشي
حالما بقصيدة زرقاء من سطرين، من
سطرين... عن فرح خفيف الوزن،
مرئيٍّ وسرِّيٍّ معا
مَنْ لا يحبّ الآن،
في هذا الصباح،
فلن يحبَّ !

"محمود درويش"