باب سحري ودرجات متحركة

كتبهامنال حمدي ، في 11 أيار 2009 الساعة: 17:11 م

 

باب سحري ودرجات متحركة

منال حمدي* -  هذه المرة لم أتحمل ألم ساقي المكسورة كما في كل مرة. لم تكن لدي رغبة التعالي على الألم والتعب. وكذلك لست مبالية بإخفاء اصفرار وجهي بأي مادة تجميل. اضطررتُ للذهاب إلى طوارئ المستشفى. أخذتُ مكاني على أحد المقاعد في قاعة الانتظار، قبالة الباب، وبوَهَنٍ استطعت الجلوس عليه. استندتُ بثقل إلى عكّاز يسعف حركة ساقي المكسورة منذ أشهر. وأخيراً جلستُ مسندةً ظهري إلى الخلف، ولم أكن أملك سوى الانتظار ومراقبة الآخرين.
هناك دائما حالات مستعجلة تحتاج لقسم الطوارئ. دخول بطريقة مفاجئة ومرعبة، مفزعة وطارئة، مبكية وصارخة، كتلك الأم التي تتراكض خلف ابنها تتلهف لأن تلحق به من غرفة إلى أخرى، وهناك حالات، مثلي، تتشبث بالانتظار وسيلةً تهادِنُ بها الألم، ظللتُ أسلّطُ ناظريَّ على الباب.
أتخيّل أنّ هناك أُماً أخرى ستدخل الباب نفسه الذي دخلته تلك الأم، ربما هي أمٌ آتية وفي ظهرها السماء، يكشف الغطاءُ عن تجلٍّ نوارني يصاحب ولوجها الشفيف بلا وزن، تخيّلتها تقول لي معاتبة:.
”كيف تأتين إلى المستشفى دون علمي؟ هل أعرف بالصدفة أنك هنا!”.
ثم تجلس بالقرب مني، عن يميني أو عن يساري لا يهم. المهم أنها تنتظر الطبيب معي ولأجلي؛ ذات الطبيب الذي أحتاجه. ستكّلمه وتطلب منه أن يطمئنها على حالتي، ثم تدعو لي بالشفاء.

***

انهمكتُ أكثر بتصفح الوجوه. الأيادي المتلاحمة والحانية بعضها على بعض. من الواضح أن تلك المرأة تمسك بيد ابنتها، وتلك تمسك بيد أمها، لا يهم مَن منهن تمسك بيد الأخرى. الأهم أنهما تسيران جنبا إلى جنب، وهنالك طراوة ما وكثير من الحنان.
تكرّر هذا المشهد مرات أمامي. رحتُ فيه. لكنني، وبشكل مفاجئ التفتُّ حولي، فلم أرَ أمي: ”ربما ذهبت تستعجل الطبيب”.
بدأت أنظر للبعيد، أبعد من مرمى البصر، أقصى بعيد قد تقع عليه عيناي، غير أن الممرات الطويلة التي تنتهي بممرات متفرعة عنها تنغلق أمام ناظري. أتعبتُ رقبتي بالالتفات في كل الاتجاهات، ثم عدت أسلّط ناظري على الباب الكهربائي أمامي:.
”خلف هذا الباب لا أنتظر سوى حلم. يا ليت الأشياء كما الحلم!”.

***

تذكرتُني عندما كنت صغيرة. كان يطيب لي الوقوف خلف الباب الكهربائي ليفتح من تلقائه. تنتابني عظمة التسيّد على باب خرافيّ، أكون عليه الآمرة الناهية: ”افتحْ، انغلِقْ!!!” كنت أستغرب كيف يلّبي أوامري بهذه السرعة والسلاسة والخفّة؟! تخيلته يشبه مغارة على بابا التي كانت تُفتح على مصراعيها بكلمة سحرية: ”افتح يا سمسم!”. والدرج الكهربائي؛ الذي أيضا صعدته ونزلته مرّات لا تحصى، ولكن دون أن أنزل درجة واحدة ودون أن أصعدها..
يتساوى على الدرج الكهربائي، في نظري، الصعود والهبوط. وأمام الباب الكهربائي يتساوى الدخول والخروج: الدخول لزيارة طبيب، والخروج بوصفة طبية وموعد لمراجعة أخرى. عندما نضجتُ قليلاً استوعبتُ ماذا يعني درج متحرك من تلقائه، وباب كهربائي يرحّب ويودّع. ذهبَ السحرُ منهما وتبخّر، وباتت العلاقة مشروخة بينهما وبيني. بين السحر ووميض الخيال الحالم!.

***

”التهاب في العظم!”.
قال الطبيب بعد أن قرأ نتائج الفحص المخبري، أراد معرفة سبب الوجع الطارئ في ساقي، رفّتْ دمعة حمَلَتها جفوني بعيدًا عن مدى رؤيته، فلملمتها حدقتاي وفجّرت لها مساربَ خفيّة، ربما يعزُّ عليَّ أن أشي بضعفي حتى وأنا أحتاج ضعفي: ”الضعف لا يعني رجلاً وامرأة، بل يعني إنساناً!”.
هذا ما علّمني إياه كرسي الانتظار؟!
غادرني الطبيب لبرهة أفلتتها ذاكرتي، ولم أكن بعد قد استوعبت ما قاله لي، بِتُّ في انتظار أكبر إلى أمي، بِتُّ أحاول أن أعيد انشداهي بخرافيّة الأشياء: باب كهربائي لا أعرف كيف يُفتح ويُغلق سوى بكلمة واحدة: ”ترى إذا ذهبت هذه الكلمة من القاموس هل من الممكن أن يُفتح الباب؟! هل بالضرورة أنه مُغلق أصلاً؟!”..
درج كهربائي لا أعرف كيف يصعد أو يهبط، مغارة علي بابا، ربما أي عبارة خرافيّة أخرى قد تفتحها. أمٌ رَحَلَتْ، هل يعني رحيلها أنها ماتتْ؟ لا أعرف، لكنها ربما تعود لو جرت مناداتها بكلمات كبرت معنا محتفظةً بسحرها، ربما تعود لو أحاول:
”هل أجّرب كلمات كانت خرافية، أم كلمة نقولها كل يوم؟!”.
لحظتها رنوتُ إلى هاتفي النقّال، أمسكت به، تأملته، لمعت فكرة في ذهني كواحدة من تلك الأفكار المبرمجة داخله:
”ماذا لو اتصلتُ بأمي الآن على هاتفها النقال؟! لِمَ لا؟ ربما ترّد!”.
انتقلتُ بإصبعي إلى قائمة الأسماء في الهاتف، رغم أنني أحفظ رقمها عن ظهر قلب، وبرعشة ضغطتُ على زر الاتصال، وألصقتُ السمّاعةَ بخوفٍ على أذني:.
”رقم الهاتف المتنقل المطلوب مفصول، وشكرا!”..


*  كاتبة أردنية

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج



فرحا بشيء ما خفيٍّ، كنت أَمشي
حالما بقصيدة زرقاء من سطرين، من
سطرين... عن فرح خفيف الوزن،
مرئيٍّ وسرِّيٍّ معا
مَنْ لا يحبّ الآن،
في هذا الصباح،
فلن يحبَّ !

"محمود درويش"