كتبهامنال حمدي ، في 11 أيار 2009
الساعة: 16:45 م
|
|
|
|
نجوم في بلّورة

منال حمدي - دستُ على الكوابح بشكل مفاجئ، فانبعث من العجلات المتوقفة بعنف شاحطةً بالإسفلت، رائحةٌ تشبه الاحتراق. التفتُّ إلى طفلي الأصم الذي استيقظ بهلع. احتضنته ومسّدتُ على شعره محاولة تهدئة الخوف الذي بدا في عينيه. تلفتُّ أنظر إلى الوادي المحاذي ليمين السيارة:
أنا أسلك الطريق الخاطئ نحو القرية! هل نسيتها؟ ربما؛ فأنا لم أزرها منذ سنوات .
تابعت السير بعدما سلكت الطريق الصحيح، إلا أنَّ ذكرياتي لم تفارقني، وظلت تتوالى متسلسلة دون انقطاع:
أكره الذكريات، تلك التي تفرض ذاتها فتتحول إلى زائر ثقيل! إنها تهوي بي إلى الأسفل، تمرُّ بكل كبيرة وصغيرة؛ حتى في تلك الممرات الضيقة حتى ترمي بي إلى العمق، هذا الذي يجتاحني أكثر من اللازم، ثم يمضي بي فلا يتوقف. تتهيّج الذكرياتُ داخلي عند كل مطب، تنسلخ عني حكاياتي، فواصل زمن لا أدركها أبداً. أنا أنفصل عني، كل لحظة أنفصلُ عني! كيف لا أدري؟ أغمض عينيَّ محاولةً إعتام هذه الغفوة فيهما، عبثاً! أراني، في يوم ما، في زمن ما، في ساعة ما، كأنني رقم ما أعدّه مئات المرات حتى يتحول إلى أرقام لا نهاية لها، كأنني أحجام وقد تضخمت فِيّ تراكماتي فأصبتُ بالتخمة، وتحولتُ إلى لا شيء تذروني رياحي، وأطفو زَبَداً يهبّله الهواء الساخن، ربما لا أحتاج هذا العمق بقدر حاجتي إلى الانفصال عني، والاسترسال بالحياة العادية تخففاً منها.
***
مددتُ يدي لطفلي، وقلت له بلغة الصمِّ التي لا يحتاج أحد أن يتعلمها إلا إذا كان أصمّ، أو يعيش في محيطه مَن هو أصم. لغة ليست دارجة؟! سحقاً لهذا العالم البغيض المتكلم بجميع اللغات واللهجات دون لغتهم، وكأنه يقصيهم عن الحياة:
- أعطني هذا.
كانت بلورة في داخلها زئبق، يحركها ببطء مقيت فتتحركُ القصاصات الصغيرة الذهبية اللّمّاعة والفضيّة، وبعضُ أشكال من النجوم. وضعتها أمامي على الطاولة. أخذتُ بأنملتي أحرك هذا العالم الدائري ثم أستجيب لغياب وتماهٍ لذيذ يهبني إياه. مدٌّ يفضّه جزر متيقظ وحذر دائماً. اقترب مني وتناولها دون حتى أن يلفت انتباهي ولو بحركة صغيرة منه، وذهب. لحقتُ به. نظرتُ إليه واضعةً كفاً على خصري، والأخرى أضرب بأطراف أصابعي الطاولة، لكنني انتبهت أنني لم أكن موجودة. هو لا يراني، ولا يعنيه وجودي، دون أن أهزّ جسده أو أقف أمامه لافتةً انتباهه.
ذهبتُ أصنع الشاي لتحضير الفطور. غابَ فِيّ الوعي من جديد، ليعود في أغلب المرات دوني، وإنْ كنتُ أنجح أحياناً في استدراكه. أطوفُ أنا كَزَبَدٍ يسقط من فم النجوم قبل الشروق على السطح.
هذا السبرُ في العمق بطيء يحتاج لزمن حتى يستقرّ في القاع. بطيء، وزئبقي، ويمنحني الغوص فيه تحت سماء مكشوفة. وعندما أعود، أجدُ طبقةً من الجليد تطفو فوق سطحي. يمنحني الركود حيث لا أرى نفسي. لم أكن أدري أنني بهذا الدوران أعود للوراء آلاف السنين، حين كان الجليد قبل الشروق وبعد الشروق، قبل الحياة وبعد الممات.
سقط الكأس من يدي وفوقه مغيب أحمر. ذكرياتنا صمّاء أيضاً، تدرك تماماً كيف توجعنا وتحجب عنّا حوارها. كأنها فيلم تسجيلي لا يتوقف عن إرسال الإشارات من خلال تلك الذبذبات السريعة، الفلتات والسقطات والهفوات. ثم تغمض الشاشة وفوقها ذات المغيب الأحمر.
- هيا، سنتناول فطورنا اليوم في مطعم.
دون أي إيماءات كعادته، تناول مني الثياب التي سيرتديها.
المطعم صغير، في أقصى زاوية من نهاية الشارع. أجلسته على طاولة منزوية. تصفحنا قائمة الطعام، ثم ناديتُ النادلَ وطلبتُ وجبة الإفطار. نظرت إليه وابتسمت:
- لقد اخترتُ لكَ فطورك وانتهى. بإمكانك ترك قائمة الطعام. لا تربك نفسك بها.
تركها وهو ينظر إلي. لا لم يكن ينظر إليّ، كأنّ هناك أنّاتٌ ما يحاول إرسالها لي بإشارات متّقدة تجهز للاشتعال. مددتُ يدي أمسك بيديه الصغيرتين:
- هل يوجعك شيء حبيبي؟
لكنه سحبهما والتفتَ ينظر إلى البعيد.
كان شكلُ الفطور شهي، ورائحته أيضاً، عندما كان النادل يضعه على الطاولة؛ لكنني كنت أفقد تلك الشهيّة والمذاق كلّما ذابا في عتمة المعدة.
سألته، وأنا أضع الزّبدةَ فوق خبز التوست وأمدّها بالسكينة ثم المربى:
- هل أُعِدُّ لكَ واحدةً مثلها؟ لذيذة.
لكنه، على غير العادة، حرّكَ رأسه برفض غاضب. تركتُ الخبز من يدي. آلمني شعورٌ بالذنب، ربما لأنني أتصرف وأسأله كأنني أجيب عنه مرتين، مرة باختياري ما أريد له، ومرة بتنفيذه هذا الاختيار. ترك السكينة والشوكة. سألته باستغراب:
- الوجبة لذيذة، ماذا هناك؟
لكنه سحب المنديل عن ياقته وخرج من المطعم. دفعتُ الحساب سريعاً ولحقت به.
***
جلسَ في سريره. ذهبتُ إليه. حاولتُ أن أعرف سبب حزنه وبكائه، لكنه في كل مرة يشيح بوجهه عني. المزيد من التوسّل يسبب لي جرحاً أكبر، لذا، تركته وذهبت إلى غرفتي:
- هل أنا مفرطة في تغييبه عن ذاته؟ لكنه للمرة الأولى يرفض، ويعترض، ولا يرغب، ولا يريد، ولا يحب!.
لم يختر ثيابه لمرّةٍ واحدة، لم يمشط شعره مستخدماً أصابعه، لم يخرج دوني. في كل مرّة أقلّب المحطات لأختار له ما يناسبه، فيتابعه. فأنا أعرف تماماً ما يناسبه، أحفظه عن ظهر قلب.
افتعلتُ انهماكي بعملي في البيت وأنا أراقبه بين الفينة والفينة، لكنني نفضت يديّ من الماء وحدّقت به صراحة. أحضرتُ بلّورته الزئبقية واقتربت منه:
- ولا لمرة واحدة اعتبرتك أصمّ كما يراك الآخرون! اعتبرك صامتاً وعميقاً كهذه البلورة، صامتة في حراكها وعميقة في قيعانها.
قال لي بلغة الصمّ: أنا وحيد. هذه الكرة جزء من وحدتي، هذا السرير، الوسائد، الطاولة، التلفاز، خزانتي، ألعابي، كل شيء هنا (مشيراً إلى كل هذه الأشياء) .
ضممته إليّ وأجبتُ بنبرة حاولتُ أن تكون دافئة: أنا معك! .
رد عليّ: أنتِ أيضاً جزء من وحدتي .
ثم اتجه إلى الحديقة يمارس لعبته المفضلة. كرة السلّة. لكنه بدأ يلعب وحده، ودوني.
لقد أصاب وأصابني. أنا جزء من وحدته، وهو جزء من وحدتي. ولأنها وحدةٌ ظننتُ أنَّ أمزجتنا ستتمازج. بِتُّ أفقد تذوقي للأشياء، وأشبه ابني الأصم في كل شيء. وأنا معه لا أحتاج للكلام. لغة جسدينا لها شكل معتم منكمش، شكل غائر منسلخ. نظرت إليه من النافذة، لم يكن ليلتفت إلى النافذة، كأنّه يتعمد إقصائي عن مدى عينيه! حينها تلمّست وجهي وتساءلت: هل أنا بشعة إلى هذا المدى؟! .
المدى، لماذا نعتقد أننا وحدنا مَن يتكلم، أو أن علينا الكلام؟ هذه السماء كلامها المطر، أجنحتها تطير بنا، تنزع حوافّنا والتصاقنا بالأرض، طاردة غباراً بارداً ألفناه، واعتدناه، واعتقدناه. ربما تعتقد هذه السماء أنّ قيمتنا هي عندما لا نقول شيئاً.
لكنني أعتقد أني كأس ماء هو مصبوب فيها. هو كأس ماء أنا مصبوبة فيها. نحن كجزيئات الماء وكشربة واحدة في الأمعاء. وكآدمي فارغ حين تفرغنا الكأس.
ابتعدتُ عن النافذة وقد أحسستُ أنّ قلبي كاد يتوقف. كان ارتطام الكرة بالنافذة قويّاً وكاد يُحدث شرخاً فيها. رفعتُ ناظريّ باتجاهه، رمقني بنظرة جافة ومضى.
ترددتُ باللحاق به. أردتُ أن أقول له إنه قادر على أن يفعل كل ما يريد، ولكنه لا يعرف ماذا يعني أن يريد. وقلتُ لنفسي بصوت أجوف مليء بالخوف: سيعود، سيفعل ما أريده له. الواحدُ منا يُكمِلُ الآخر! .
لكنني قررتُ هذه اللحظة بالذات أن أعود إلى منزلي وسط العاصمة، وأن أترك هذا البيت الريفي:
أنا أعي ما أريد. أريد أن أجدد له حياته. أن أعطيه كل حياته .
***
ذهب النهار كله، وما يزال ذاك الفطور الذي سبق ساعات قبل الظهيرة حاضراً في ذهني. النهار لم يذهب وحسب، بل تآكلت خيوطه مع الانتظار. دخل الليل فيه، بارداً معتماً محاقاً بلا قمر أو نجوم. انتظرته طويلاً وما أزال أنتظره. وهو مغيّب حتى الآن.
* كاتبة أردنية
|
|
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
أدب |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج