كتبهامنال حمدي ، في 11 أيار 2009
الساعة: 16:37 م
|
|
|
|
منال حمدي
رفسَ الغطاء بكلتا قدميه وركضَ نحو الحمّام. أفرغَ كل ما في معدته.
غسلَ وجهه. وضعَ رأسه تحت الصنبور، ونثر الماء وهو يهزُّ رأسه بعنف.
عاد إلى غرفة النوم. وجدها تبكي وهي ترتدي ثيابها على عجل. حاول الاقتراب ومدَّ يده الراجفة، إلاّ أنها ابتعدت بينما تمسحُ دموعها.
قال: أنا آسف. ردّت بخجل: تعتذر؟ لا عليك، كأنَّ شيئاً لم يكن. هل لدى الطبيب حل؟ لا. إلاّ إذا أعادَ الله خلقي من جديد. قال محرَجَاً: لا أدري ماذا أقول لكِ! أجابته كمن تريد إنهاء المسألة: لا تقُلْ شيئاً، ولنفسها أخذت تردد صدى أفكارها: لكنني أمتلك صدراً طرياً وقلباً حيّاً. أتفهم ماذا يعني حيّاً؟ يوقظني جسدُ الرجل، ويجعل مني امرأة تنساب برفق في روحه. ليس ذنبك وليس ذنبي! لكنني حدّثتكَ بكل شيء. أليس من الأفضل لو وفّرتَ عليَّ وجعاً جديداً ومرارةً أخرى؟
***
تداهمها هذه الذكريات كلما استلقت في سريرها، فتبكي بنحيب. شمّت، يومها، رائحة قَرَفَهُ من جسدها وهو يفرغ ما في معدته، رغماً عنه.
حينذاك، فزّت من سريرها. فتحت الباب ونادت على حارس البناية. صعد إليها. وعند الباب طلبت منه أن يبحث لها عن بيت آخر تسكنه. كانت رسائله وأوراقه مكدّسة تتثاءب ظلاله فيها. تتقافز من مكانها مع كل رفّة عين.
ظلّت يدها ساكنة على مقبض الباب عندما همّت بغلقه، ثم رفعت عينيها إلى الطابق العلوي، وحدّثت نفسها: أليس الرحيل أفضل؟ ستزول تلك المصادفات التي تجمعني به كلّما صعدتُ الدرج أو نزلته. سأصعد درج منزلي الجديد دون أن أتعرض لهذه المصادفات. أفضل لنا أن نعيش في بنايتين منفصلتين.
لا أريد أن أراه. ما زالت الذكريات شريطاً بطول الشوارع التي تعبرها.
عندما التقته لأول مرّة كان على السطح. ثم أخذ يتعمّد الوقوف عند باب بيته كلّما أحسّ بها تصعد إلى السطح. وكان يصعد خلفها.
***
بابتسامة صعبة قابلت الممرضة. اختارت مقعداً منعزلاً في العيادة، وفكّرت: ربما الذكريات هي التي تسبب الوقت الذي لا نريده، فتحدث ضجيجاً وشرخاً في فراغ قد نجدُ أنفسنا فيه. نادت عليها الممرضة باسمها، فأوقفت انثيال أفكارها. بعد الفحص قال لها طبيب الجلديّة: أنتِ مصابة بالصدفيّة، وهو منتشر في باطن القدم. تلقت الخبر ببلادة أثارت حفيظة الطبيب، لكنه كتمها. لم تحاول سؤاله عن الأسباب أو العلاج، كما يفعل المرضى عادةً، فتابع: لا علاج يزيله فوراً. هناك أدوية سأكتبها لك. غادرت العيادة لتمشي ضعف ما مشته قبل دخولها لها. فكّرت، وهي تعبر نحو الجهة الأخرى من أحد الشوارع: سأدع الوقتَ يشفي. ألاْ يقولون أنَّ الوقت خير علاج! ومضى الوقت.
***
صعدت درج بنايتها. وصلت باب بيتها، لكنها تجاوزته واستمرت صاعدة حتّى وجدت نفسها فوق السطح. لفحَ وجهها الهواء، وبعض كلمات تناهت إليها واضحة. كان هو وكان صوته. فكّرت: كأنني صعدتُ لأجده هنا! ماذا يريد الآن؟ أنهى المكالمة. نظرَ إليها دون أن يتحرك باتجاهها، لكنها بادرته قبل أن يفسّر سبب وجوده: لماذا أتيت؟ جئتُ لأطمئن عليكِ. أأنتِ بخير؟ بخير. وعلى الفور نزلت الدرج. تبعها محاولاً أن يستوقفها، لكنها رمقته بنظرة رافضة، فتراجع. فتحت باب منزلها. دخلته. وبعد أن سمعت صوت خطواته النازلة ينكتم، تمددت فوق الصوفة في حجرة الجلوس.
أمسكت بقدمها وتأملت باطنها. كانت قد كَفّت عن عَدّ الأيام، وتركتها تنساب خارج حساباتها. كأنها القشور التي تغطّي جسم السمكة! ، فكّرَت، وضحكت مستهزئة بما أصابها، بينما تزيل بأصابعها القشرة تلو الأخرى، فتراها تتساقط دون جهد. فاجأها خاطرٌ عابث، فاستمرّت هذه المرّة تردد كلّما أزالت قشرةً: أحبّه، لا أحبّه، أحبّه، لا أحبّه، أحبّه، لا … عند آخر قشرة يابسة وخفيفة أزالتها صمَتت. لم يعد هناك ما تعدّه. أخذت تتلمس السقفَ بعينيها. تأملت فكرةً راقتها استجابةً لرغبة تولدت لحظتها: أريد أن أنام في العمق. ربما أحتاج إلى الحراشف والخياشيم والزعانف. أحتاج لمرض يمنحني فرصة الغياب.
* قاصة أردنية
|
|
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
أدب |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج