كتبهامنال حمدي ، في 11 أيار 2009
الساعة: 16:23 م
|
|
الطابور

منال حمدي - الوقت يطول. يطول ويشبه الطابور الممتد أمامها. الناس تتشابه بملامحها التي تفصح عنها، وتفضح تعب نهارها. بإمكان أي مارٍّ تخمين حكاية ذاك، أو قصة تلك.
سائق الباص يخبئ رأسه خلف المقوَد. يقضم قطعة خبز بعيداً عن أعين الناس، ثم يعتدل بعفوية مصطنعة، ويمسح فمه من بقايا الطعام. بعدها تكون المقاعد قد امتلأت بالركّاب. أما الفراغات المتناثرة بينها؛ فتكتظ بالرجال الذين يضطرون للوقوف متقلقلين طوال الطريق. وَلَّدَ تأملها للمشهد المللَ والإحباط من إمكانية أن يصل دورها قبل فوات الأوان.
كان قميصها الفضفاض يلتصق بجسدها. العرَق ينضح من مساماته، متخذًا مسارب دبقة تسببت بها الشمس، والطابور المتراص، والمظلة الوحيدة التي لا تقي المندفعين نحوها. ازداد وجهها اشتعالاً. تأففت وهي تردد بصوت خفيض: ليتني لا أسكن الرصيفة! .
@@@
انزلق الشاب الواقف خلفها إلى الأمام بتراصّ يكاد يكون غير مقصود، والتصق بها. وما لبثت لحظات قليلة حتّى التصق أكثر، ملتفتاً إلى الخلف مبدياً نظرة استياء مفتعلة، كأنما دُفِعَ دفعاً، ثم زادَ من التصاقه بثقة أكبر. ارتبكت، وظلت متسمرة في مكانها.
@@@
تحولت مشادة كلامية، أثناء وقوفها في الطابور، إلى شجار طال العديد من الواقفين في موقف الباصات. اختل نظام الطابور وتخلخلت أجزاؤه. استدارت للخلف تراقب ما يحدث، فاصطدمت بذاك الشاب الذي يقف خلفها وجهاً لوجه. كانت اعتقدت أنه استدار مثلها من باب الفضول. انطبعت ملامحه في مخيلتها، رغم أنها مجرد لحظة.
مدَّ يديه ليلتصق بها، كأنه يعيد بذلك تركيب أجزاء لعبة تفككت للتو، وها هو يغلق فراغاتها. حبسها ارتباكُها داخل الخطوة التي انغرست بالأرض فلم تتحرك، بينما أخذت تستسلم لشعور غريب اخترق جسدها لينساح بين يديه.
لم تكن منتبهة لمنظِّم الدور وهو يطلب منها الصعود إلى الباص: هيا استعجلي. لحُسن حظك جاء دورك قبل الأذان بساعة كاملة. اصعدي .
- أنا؟.
- نعم أنتِ. لماذا تتلفتين؟.
- طيب، سأصعد!.
- هيا. لم يبق، لحسن حظك، سوى مقعد واحد.
رفعت رجلها اليمنى تهمّ بالصعود. التفتت نحو الخلف. كان الشاب ما يزال يمسح بعينيه تضاريس وجهها ويذيبها تحت شحوم وجنتيه، مما حفزها للتراجع. لم تستعصِ الحجة عليها لتقولها لمنظّم الدور:.
- ربما لو أخذ عجوز دوري. أنا أتحمّل حرارة الشمس والجوع حتّى آذان المغرب!.
- كما تريدين. لكن قد يتأخر الباص التالي.
لم ينتظر جوابها. نظر إلى عجوزٍ كانت تقف في الصفوف الخلفية، وأجلسها في المقعد المتبقي، بينما أخذت هي بالانزلاق إلى الخلف. لكنها، هذه المرّة، لم تشعر بشيء يلتصق بها سوى الهواء الحار يسبح في الفراغ ويحيل قميصها إلى قماش يابس . التفتت، فأذهلها اختفاء الشاب الذي كان يقف خلفها.
نظرت حولها تبحث عنه: هل ابتلعته الأرض! ، وظلّت عيناها تدوران كعقارب الساعة حتّى وقع نظرها عليه. كان يندسّ في ممر الباص، بين المقاعد، ليقف وراء امرأة منحته ظهرها.
نظرت إلى ساعتها بعدما غاب الباص تماماً، وبدأت من جديد تنتظر إما باصاً آخر، أو أذان المغرب.
|
|
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
أدب |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج