منال حمدي : الكتابة نقصان
حاورها - حسين نشوان - قالت القاصة منال حمدي منذ طفولتي كنت أهتم بتلك الصفحات التي تُعنى بالأدب، ولي دفاتر كثيرة نقلتُ عليها أجمل المأثورات وأجمل الأبيات الشعرية وأجمل النصوص. كَبُرَتْ معي وكبرتُ من خلالها إلى أن تجسَّد ارتباطي بالأدب في مجموعة قصصية. هذا الكتاب الحلم .
وأضافت انها تعد القصة رسالة، فهي حدث كبير من خلالها نخلق تضاريسنا ونعبّر بالطريقة التي نراها مناسبة. نحفر في كل الاتجاهات، وفي النهاية نحن لسنا سوى مالكين لسطورنا لوقت يمضي مع الزمن، ثم يتحول إلى ملكية عامة.
وقالت انني اتجهتُ نحو كتابة تجاربي في الفترة الأخيرة بعد حادث.
وتحولت يومياتي إلى قصص، المستشفى، الأطباء، والخوف من الشوارع حتى وإن كانت خالية من السيارات والناس.
* عن كتابك الأخير لجهة موضوع وآراء النقّاد ؟
* كتابي الأول ما يزال كتابي الأخير والذي يشرع لمجموعات أخرى: عَ رَب الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر لعام 2002. قبل أن يكون لي كتاب كنت أحلم بأن أملك إصدارًا. منذ طفولتي كنت أهتم بتلك الصفحات التي تُعنى بالأدب، ولي دفاتر كثيرة نقلتُ عليها أجمل المأثورات وأجمل الأبيات الشعرية وأجمل النصوص. كَبُرَتْ معي وكبرتُ من خلالها إلى أن تجسَّد ارتباطي بالأدب في مجموعة قصصية.
هذا الكتاب هو الحلم الذي حَبَا وتوّجته وأعلنتُه على الملأ. استمتعتُ وأنا أماوج الأفكار مع لغة الأسطورة والفانتازيا. ربما أثّرت داخلي كثيرًا تلك القصص التي امتعتْ طفولتنا، وهي ذاتها التي أمتعتنا كبارا. نحن نعود للطفولة التي كبرت فينا قَلمًا وإبداعًا، قصة وموضوعًا وحياة. قصص عن كبار تعاملوا مع معطيات خيالية حوّلتهم لأسطورة: البساط السحري، العصا السحرية، مغارة علي بابا، والعبارة السحرية لفتح باب تلك المغارة. بير زويلة، والشاطر حسن، ليلى والذئب، زرقاء اليمامة، علاء الدين والفانوس السحري، المارد الذي يعثر على قمقم في عمق البحر.
الأمير الذي يحوّله الساحر إلى وحش قبيح وتعيده امرأة بطيبتها إلى طبيعته. ابتعدنا كثيرًا عن هذه الجماليات، حتى فقدنا المفاتيح لنسطر بها أحلامنا لتصبح واقعية أكثر من واقعنا.
لذلك فأنا أشارك غيري من هؤلاء الكتّاب الذين يرون أنه ليس منطقيًا الفصل بين قصص موجهة للكبار وقصص موجهة للصغار. هناك تفاوت في الآراء حول طريقة تجسيدي للفكرة وحول أسطرتها. منها ما يرى صعوبة العمل بهذا النَفَس وعدم مجاراته لأرض الواقع، على مشاكسته ونزعته وتخيّله، حتى وإن كان أسلوبًا رمزيًا هجائيًا ساخرًا ناقدًا لواقعنا. وأنه أسلوب بعيد تمامًا عن الواقعية والحياة الاجتماعية. ومنها ما اتفق معه وعاش جمالياته واعتبره مجسّات حيوية لفهم ما يدور في عوالمنا.
* بعد صدور مجموعتك الأولى، ما الإحساس الذي تركه هذا الخروج من النص الى المتن ؟
* بعد صدور هذه المجموعة تأملتها كغيري من القرّاء، محاولة الابتعاد عن فكرة رسالة الكاتب التي آمنت بها كشابة مؤججة بالحماس. أردت أن أتحدث مطولاً عن تاريخنا العربي القديم والتذكير بدور العربي الريادي في تشكيل الأرض وما عليها. اعتبرت القصة رسالة، فهي حدث كبير أنا حفرت خطواتٍ معدوداتٍ في طريقه المعبَّد بالمتاعب. نحن نقول كل ما نريد أن نقوله، نخلق تضاريسنا ونعبّر بالطريقة التي نراها مناسبة. نحفر في كل الاتجاهات، ونضمر الأمنيات. نتجلّى في كل أحجيات العمل وتوقده واشتعاله داخل بوتقتنا الخاصة. في النهاية نحن لسنا سوى مالكين لسطورنا لوقت يمضي مع الزمن، ثم يتحول إلى ملكية عامة. نحن نقف خلفهم جميعهم.
أحسستُ أنني أرضيتُ بعضًا مما كنت أود في تعاملي مع الأسطورة، وإيجاد ملمح خاص لي من خلالها، نوعًا ما، بطريقة ما، أجسّدُ من خلالها بعض التفاصيل: امرأة من عالم الأحلام يرسمها حبيبها مستبدلاً سيقانها بدرجات يصعدها رجل على هيئة قزم، بعدما تأثر بفكرة التقليد الأعمى، وهي ذاتها الحبيبة التي كان يتصوفها في معبد حتى تبقى بعيدًا عن أعين الناس. ما أثار انتباهي في هذه التجربة قلة المهتمين بالأسطورة وندرة والمؤمنين بها في الكتابة العربية، بينما نجد في الغرب اهتمامًا منقطع النظير بالأسطورة، وتوظيفها لمعايشة الواقع. كاهتمامهم بسلسلة روايات هاري بوتر كمثال، والتي باعت ما يقارب 300 مليون نسخة، فأصبحت بعد ذلك من أثرياء العالم. والثراء الأكبر إدهاشها لجميع الفئات العمرية كبيرًا كان أو صغيرًا، جميعهم حلّقوا معها بإعجاب وحماس.
ومع ذلك، ومع تجربتي الكتابية الأولى كان لا بد من تشريح للقصص التي قدمتُها. اللمعة الأولى تعني التوقف والوقوف، حرية مسؤولة عن اختيار الطريق وعبوره بالأدوات اللازمة، نكتشف أننا لم نعبر الطريق بعد، وأنَّ الخطوة الأولى على أهميتها وألقها هي مؤشر ضوئي لبداية أخرى، أيضًا هذا المؤشر الضوئي لا نتمكّن منه دون هذا السّبر. هناك نقصان ما معلَن يمتحن قدرتنا على المواصلة، النقصان خوف يؤججنا كل يوم، نصبح أسلاكًا مكشوفة تولِّدُ صعقة مع كل ملمس كلمة جديدة تعبرنا.
* عن مشاريعك المقبلة ؟
* في الواقع لم أكن أدرك تمامًا السرّ الذي يقودنا نحو محاورنا التي نشبعها بطموحاتنا وألق ما يدفعنا للمضي فيها. فحادث السير الذي تعرضتُ له، ويعرف به أغلب الزملاء من الوسط الأدبي، كان عبارة عن تجربة قاسية أشعَرتني كأنها أمحَلت العشبَ المُسسَقّى بالندى. تُغرغرُ دموعي على تماسكي، وتنوء بي عبر مسافات مهزومة. استعانت بالوقت وبالثقة العالية التي أوليتها لأطباء هم إنسانيون قبل كل شيء.
أوعزوا لي بحرية الانطلاق دون خوف بينما أفكر بصحتي وما ستؤول إليه بعد تردّيها ونتائجها النفسية عليّ، ولأصدقاء كانوا بداية مشروع يؤهلني للنجاح من خلالهم وخلال سيري على عكازتين تدوسان الأرض بتمرد وجمود، بدأت خطوتي الأولى بقراءات جديدة، فالكتابة تحتاج إلى عمق وتمكّن عاليين، ولغة خاصة يمكن لأي قارئ فيما بعد أن يتعرف على هوية الكاتب من خلال كتابته، وموضوعاته، وطرق تناولها المتنوعة، والتي في كل مرة تؤكد على ممارسة الكاتب للقراءة، وحفاظه على تقنيات تزيد من قدرته على تفتيت المعطيات، وإعادة رصّها، وجبلها مع الدم واللحم الإنساني.
مهمّة الكاتب ليست سهلة، والكاتب عليه أن يتجاوز صعوبة مَرَاسِه بِسلاسَة ما يؤديه. خاصة عندما تتعدد عليه الشخوص والأحداث والتضاريس.
هو مسؤول عن تجلياته، حتى وإن كانت الإحاطة بكل تقنيات الكتابة، وأساليب سردها، وبنائها وتعزيزها بتلك التساؤلات؛ التي تحوّل الحياة إلى مواد أولية يعيد بناءها من جديد. لا يمكن للكاتب أن يحدد هويته إلا عندما يعرف ماذا يريد؟ وكيف يبدأ مشواره بنجاح.
تصبح كل الأشياء حوله على درجة واسعة من الأهمية؛ حتى الترقيم الذي يعتبر من الأركان الأساسية في الكتابة. على الكاتب إشباع الفكرة، وغرزها داخل محيط يوفر لها التواصل، عبر آلية مشتركة بينه وبين القارئ. وبالتالي خلق عوالم جديدة تتصف بقدرتها على الانخراط مع ما تحتاجه النفس لتعزيز صمودها أمام ترّهات قوالب فارغة شكلاً ونوعًا. أدركتُ أهمية الوعي تجاه الكلمة وتشكيل العبارة والروابط المشتركة، التي يجب أن تظل موجودة من البداية حتى النهاية. ومن هذا المنطلق بدأت مشروعي الكتابي، محاولة تعزيز قدراتي الكتابية بالقراءة المتواصلة والمنتقاه. سمحت لي الكتابة أن أطرق الأبواب، وأبدأ البدايات، وأضمر النهايات وتخطي المألوف.
اتجهتُ نحو كتابة تجاربي في هذه الفترة الأخيرة. تحولت يومياتي إلى قصص، المستشفى، الأطباء، الأهل، أنا، المتسبب بالحادث، سائق التاكسي، الشوارع والخوف من قطعها؛ حتى وإن كانت خالية من السيارات والناس.
هناك خوف ما أربكني في هذه المرحلة جعلني أرتدُّ بعيدًا عن كل ما يمكن أن يستدعيه لي، فشلت! قررتُ أن أعبر خوفي بالقراءة.
وأنا ممددة على سريري، انتهزتُ كل دقيقة تقربني من نفسي وتنسيني الألم. كنتُ أقرأ وأكتب. حجم القراءة كبير وعليها أن تأخذ النصيب الأكبر. كتبتُ ما يقارب إثنتي عشرة قصة. وقرأت أضعافًا وأضعافًا. كنت قد بدأت بقصة جديدة أيضًا تتناول تجربتي، ولكن هذه المرة بشكل تفصيلي حول حادث السيارة وموسع مما تكشّفَ لي من حقائق، ما رأيته ولم أكن أراه قبل ذلك، ما كنتُ أراه من قبل والشاكلة التي أراه عليها الآن. سنة تقابلها سنوات مضت، هل خسرت السنوات وكسبت السنة؟ هل خسرت السنة وكسبت كل تلك السنوات التي مضت؟ ما ضمرته في نفسي لهذه القصة التي أنجزت منها حتى الآن ستا وأربعين صفحة، أعدتُ تشكيل ذاتي فيها من جديد. تصحيح ما يمكن تصحيحه، وبتر ما كان عليّ بتره منذ زمن. استفاقة حيّة لحياة حقيقية. لم أنته منها بعد، بل بدأتها من جديد وما زلتُ في معتركها.
* قراءاتك الآن وما الذي استوقفك فيها؟
* في هذه الفترة كما أشرتُ في السؤال السابق قرأتُ أعمالاً كثيرة من روايات وقصص. أمثال: خورخي لويس بورخيس، بول بولز، أناييس نن، دوريس ليسنغ، باولو كيليو، بابلو نيرودا، باتريك زوسكيند، ألسدر جراي، دون ديللو، فضيلة الفاروق، زياد بركات. وغيرهم الكثير من كتاب الغرب والعرب. مع الوقت تصبح القراءة الركن الأساسي والباقي هوامش يمكن الاستغناء عنها. القراءة مشروع الكاتب الذي يتجه نحو ايضاح كينونته، التكوين الأولي لعقله. الموضوع الذي تحبين الكتابة فيه غير أن هناك حواجز تحول دون الشروع فيه؟ لا حواجز تفصل بين الفكرة والشروع فيها إذا كان الهدف الرئيسي هو إنجاز مشروع يحلم به الكاتب. الآن وبعد الآن لا توجد معوقات يمكن أن تتجاوز رغبة الكاتب في تحقيق مشروعه الكتابي. ما نراه من بعض المتصدين للإبداع بوضعه في قوالب هي تابوهات ليست سوى صورة تعكس الفساد الروحي والنفسي.
* عن فكرة المرأة الكاتبة والتباس المفهوم ؟
* لا أرى أن هناك أي التباس بالمفهوم. المرأة الكاتبة كما الرجل الكاتب يجمعهما أدب واحد دون تجنيس أو تنميط، وهو فن الكتابة، فلماذا أمام هذه المعايير المشتركة يكون هناك التباس؟ المرأة تحلم كما الرجل، والرجل يحلم كما المرأة. قد تكون متمكنة من الكتابة وقد تتجاوز الرجل في قدرتها وتمكنها، والعكس صحيح.
انها خصوصيات شخصيّة. شهرزاد، هذه الحكّاءة الساردة لحكايات تنتهي لتبدأ أملاً في ثني شهريار عن قتلها أو قتل غيرها من العذراوات. إنها تأمل واسع في كتابة مستفيضة. امرأة تحطم الحواجز التي أرادها لها المجتمع، عِلمًا بأنَّ المرأة ساهمت في تهميش دورها بالاتكاء على الرجل في كل كبيرة وصغيرة. حتى في انصياعها لفكره وقرارته وما عليها سوى التنفيذ، دون الحوار والأخذ بعين الاعتبار. هي مشتركة أيضًا بجريمة تقزيمها لنفسها وحشرها في زاوية حرجة مربكة
* رأيك بالمشهد الإبداعي النسوي -إذا جازت التسمية ؟
* لا يوجد إبداع نسوي أو إبداع ذكوري، وهذا التقسيم هو تهميش للمرأة وشكل من أشكال الوأد لها. إن وأد المرأة كتابيًا هي طريق معبدة لوأد الرجل وترحيل الأدب إلى خانات العد التنازلي، وعرقلة مسيرة الوعي.
منذ آلاف الأعوام احتلت المرأة دورًا حضاريًا مسكونًا بمسحة التقديس من قِبَل الرجل ذاته! وقد حكمت المرأة حقبة زمنية جنبًا إلى جنب مع الرجل، مثل جوليا دومنا الإمبراطورة السورية التي حكمت روما إلى جانب زوجها، وقد عبدها الرومان وما زالت تماثيلها شاهدة في متاحف روما. والمرأة هي السيدة العذراء، وهي رمز من رموز الخصب التي مثلت عقيدةً اقترنت بالأنهر الستة والنجمة السداسية التي حوّلتها الصهيونية لتكون محصورة بإسرائيل! الإطاحة بدور المرأة بداية انهدام التاريخ الإنساني والحضاري لتاريخنا العربي القديم. وهو تقليل من الدور المهم الذي أنيط بها منذ آلاف الأعوام. لماذا بتنا أمة تنسى؟ نسينا أننا أول من اخترع، وأول من زرع، وأول من اكتشف المعدن، وشكّل الحروف، واخترع التوقيت في عهد بابل، وقسّم النهار إلى إثنتي عشرة ساعة! وغير ذلك كثير. بتنا وسيطًا ناقلاً لمزاعم غربية وصدّقنا أننا أتباع لا يفهمون لا يفقهون لا يعرفون.
وسرّبنا مشاكل المرأة الغربية إلينا وباتت مشكلاتنا التي لم نكن نعاني منها أصلاً لنحط من شأن المرأة وقدرها.
الإبداع صفة واحدة لا تتجزأ، ولا مبررات لتجزيئها إلا إذا أردنا أن نجد فجوة من خلالها نقوم بتحجيم إبداع المرأة وإبداع مجتمعاتنا بشكل عام. باتت هناك مشاكل مشتركة علينا العمل على تداركها، وخاصة مشكلة ضياع مفهوم الثقافة الحقيقية لغياب التنوير الفكري وانشغاله بالانقسامات، مثل إبداع نسوي وإبداع ذكوري وشرذمته بتقسيم منظومة الثقافة إلى تحزبات وأعواد ثقاب إذا احترق الواحد منها احترقت المجموعة بأكملها. هناك للأسف كاتبات ذهبن بهذه العرقلة الهامشية لتتحول كتاباتهم إلى دفاعات محصّنة أمام الرجل: ونسيت أنَّه بالمقابل هناك الرجل المتصف بالعدل والاتزان والحصافة، والقادر على نسج خيوط المشاركة مع المرأة. وهناك امرأة تدرك تمامًا أن تصحيح هذه المعطيات يأتي من خلال التعقل والابتعاد عن اتهام الرجل، لأن المجتمع برمته هو المتهم الذي يحتاج إلى استطباب.
* رأيك بالنقد للسرد وإذا ما كان يقوم على معايير أم أنها محكومة بالشللية ؟
* هناك نقطتان فاصلتان في هذا الموضوع: النقد والنقض. وقد سبق وأن تحدثت في هذا الموضوع. النقد بالدال، هو الذي يقوم على يد مختصين في هذا المجال وهم موضوعيون هدفهم رفع سوية العمل الأدبي وقدرة الكاتب على التعامل مع معطيات إبداعية تحول دون تقوقعه. إنها حالة بناء نحتاجها، على ندرة النقاد المختصين. أما (النقاض) بالضاد، فهم الفئة التي تنصّبُ نفسها وتعطي لنفسها الحق في دحض العمل الإبداعي والعمل على الحطّ من كاتبه وقدراته الكتابية حسب أهوائهم ومزاجيتهم. ومن هنا تأتي الشللية التي يكون لها هدفً مصبوب على تنحية كتّاب ورفع آخرين، قد لا يستحقون أبدًا، إلى المراتب الأولى. وأنا لا أعتبرها معاناة حقيقية على الإطلاق، لأن القارئ والكاتب الحقيقي لا بدّ أن يعترف به الجميع في النهاية.